أفكار للمستقبل

الإنتلجنسيا الإصطناعية الجديدة القسم الثالث 3/3

فلاح حكمت فلاح حكمت 18.07.2026

روها بنجامين*

ترجمة: فلاح حكمت إسحق

  لكنْ ما الذي يُفّسُر التقارب بين نُخَبِ التقنيات المتقدّمة وعلم تحسين النسل؟ بدايةً، يمتدُّ تركيز الذكاء الإصطناعي الشديد على التحسين والتطوير من هندسة الأدوات الرقمية إلى هندسة الحياة نفسها؛ فإذا كان علم تحسين النسل، تاريخيّاً، يسعى إلى “تحسين” البشر من خلال التحكّم في الإنجاب، فإنّ أصحاب الموارد اللامحدودة اليوم يسعون جاهدين لتجنّب  الموت بالإستثمار في تقنيات تُساعدهم على “التطوّر” لما يتجاوز محدوديات هذا الجسد البشري. إنّ الخلط الخاطئ بين البشر والحواسيب جزءٌ من المشكلة. إذا كانت الأدمغة حواسيب، فلا عجب إذاً أنْ يظنّ أولئك الذين يتسيّدون وادي  السيليكون أنفسهم أسياد البشرية. ووفقاً لماكاسكيل: “يأمل بعض رواد الأعمال في التخلّي تماماً عن الأجسام القائمة على اللحم (البشري) والإستمرار في العيش في صورة رقمية من خلال محاكاة أدمغتهم بالحاسوب”، ومنهم سام ألتمان، أحد عملاء شركة “نكتوم Nectome“، وهي شركة ناشئة “تحفظ الأدمغة على أمل أن تقوم الأجيال القادمة بمسحها ضوئيّاً وتحميلها”. الهدف المعلن لشركة نيورالينك Neuralink، وهي شركة التقنية الحيوية التي أسّسها ماسك، هو إنشاء واجهة Interface بين الدماغ والحاسوب “لإعادة الإستقلالية لمَنْ يُعانون من احتياجات طبية غير مُلبّاة”، مثل إصابات الحبل الشوكي، ولكن أيضاً “لإطلاق العنان للإمكانات البشرية غداً”. وكما لاحظ الكثيرون، فإنّ التركيز الأساسي للشركة ليس على العلاج بل على التحسين، أي على بناء روابط بين الدماغ والحاسوب “تفوق قدرات البشر”. إنّ الغطرسة المُتنكّرة في زيّ الإحسان، وهي سمة من سمات علم تحسين النسل القديم، تُبعَثُ من جديد في لغة التحسين والتطوير والإرتقاء. (ولكن، كما ذكرتُ في موضع آخر، فإنّ هذه الرغبة المُتحمّسة في تجاوز الإنسانية تتجاهل حقيقة أننا لم يُتَحْ لنا جميعاً فرصةُ أن نكون بشراً كاملين بمعنى أن نعيش في بيئة تطلقُ العنان لقدراتنا الكامنة من غير قيود مصطنعة).

   في حين أنّ علم تحسين النسل غالباً ما يرتبط بمحاولات الحكومة للسيطرة على التكاثر البشري وتحجيم معدّلاته، فإنّ النخبة التقنية اليوم تُبدي مخاوف مماثلة بشأن انخفاض معدلات المواليد بين الفئات “ذات الذكاء العالي”. يهدف إيلون ماسك – الذي أنجب 12 طفلاً وما زال العدد في ازدياد، واستثمار سام ألتمان في شركات ناشئة في مجال تقنية الإنجاب تُركز على التلقيح الإصطناعي والفحص الجيني- إلى توطين الكوكب بأبناء يتمتّعون بتفوق وراثي. في مؤتمر عُقِدَ في أغسطس (آب) 2019 حول الذكاء الإصطناعي، قال ماسك: “بافتراض وجود مستقبل واعد للذكاء الإصطناعي، أعتقدُ أنّ أعظم مشكلة سيواجهها العالم خلال 20 عاماً هي الإنهيار السكاني”. غرّد ماسك أيضاً عام 2022 قائلاً: “الإنهيار السُكّاني الناجمُ عن انخفاض معدّلات المواليد يُشكّلُ خطراً أكبر بكثير على الحضارة من الإحتباس الحراري”. أضاف بيتر ثيل: “أعتقد أن هناك أمراً غريباً للغاية في عالم لا يُنتجُ فيه الناس أنفسهم. […] ربما يكون ذلك مرتبطاً بطريقة ما بالركود والتدهور […] والشعور بالتشاؤم بشأن المستقبل”. ورغم قوله إنه “لا يوجد حل سحري”، فقد قدّم ثيل، ضمن استثماراته في مجال الخصوبة وصحة المرأة، تمويلاً أوليّاً بقيمة 3.2 مليون دولار أمريكي لشركة ناشئة تُدعى “28”، “تتبّع دورات المستخدمات الشهرية وتُقدّم لهنّ نصائح حول النظام الغذائي والتمارين الرياضية، مع تشجيعهنّ على عدم استخدام وسائل منع الحمل”.

فلاح حكمت
عن الكاتب
فلاح حكمت

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←