“تكريم المبدعين ليس رثاءً للماضي بل وفاءٌ للمعرفة وإضاءةٌ لطريق المستقبل“
زكريا محمد: شاعرٌ جعل من الأسطورة طريقًا إلى الإنسان
في الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر والكاتب الفلسطيني زكريا محمد
إعداد: باهرة عبد اللطيف/ إسبانيا
في الثاني من آب/أغسطس 2023، رحل عن عالمنا الشاعر والروائي والباحث الفلسطيني زكريا محمد (1950–2023) أحد أبرز الأصوات الشعرية العربية الحديثة وأكثرها فرادةً واستقلالًا، تاركًا وراءه مشروعًا أدبيًا وفكريًا أسهم في تجديد القصيدة العربية وإعادة قراءة الموروث الثقافي العربي بمنظور معرفي وإنساني.
وُلِد زكريا محمد عام 1950 في قرية الزاوية قرب نابلس في فلسطين، ودرس الأدب العربي في جامعة بغداد، قبل أن يقيم سنوات في بيروت ودمشق وعمّان، ثم عاد إلى فلسطين عام 1994، حيث أسهم في إثراء الحياة الثقافية الفلسطينية، وعمل نائبًا لرئيس تحرير مجلة “الكرمل” التي ترأس تحريرها الشاعر محمود درويش.
مرّ زكريا محمد بعدة تجارب في صفوف اليسار الفلسطيني، متنقلًا بين أكثر من تنظيم خلال سنوات المنفى، لكنه انتهى إلى موقع المثقف المستقل الذي احتفظ بمسافة نقدية من جميع السلطات والاصطفافات الحزبية، وظل وفيًا للقضية الفلسطينية، مدافعًا عن الحرية وحق الإنسان في التعبير دون أن يجعل من الشعر منبرًا للدعاية السياسية.
لم يكن زكريا محمد شاعرًا بالمعنى التقليدي، بل كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا جمع بين الشعر والرواية وأدب الأطفال والبحث في الأساطير والديانات العربية القديمة. وقد تميز شعره بلغته المكثفة، وصوره المبتكرة، وابتعاده عن الخطابة المباشرة، إذ انشغل بالإنسان والطبيعة والأسطورة والذاكرة أكثر من انشغاله بالشعارات، فاحتل مكانة متميزة في مسار الحداثة الشعرية العربية.
وثمة ملاحظة جديرة بالتوقف عندها، وهي أن زكريا محمد لم ينل الشهرة الجماهيرية التي حظي بها شعراء كبار مثل محمود درويش أو سميح القاسم، لكنه حظي بتقدير استثنائي في الأوساط النقدية والأكاديمية. ويرى كثير من النقاد أنه من أكثر شعراء العربية تجديدًا منذ ثمانينيات القرن الماضي، لأن مشروعه لم يقتصر على تطوير اللغة الشعرية، بل امتد إلى إعادة اكتشاف الأسطورة العربية والديانات القديمة بوصفها مفاتيح لفهم الثقافة العربية والإنسان معًا. فإلى جانب دواوينه الشعرية، قدّم مؤلفات فكرية مهمة تناولت الميثولوجيا والديانات العربية القديمة، وأسهمت في إعادة قراءة التراث العربي قراءةً جديدة تستند إلى المناهج التاريخية والأنثروبولوجية. ومن أبرز أعماله الشعرية: “علندى”، و”كشتبان”، و”زراوند، و”تمرة الغراب”، كما ألّف كتبًا فكرية مهمة، منها: “نقوش عربية قبل الإسلام”، و”اللغز والمفتاح”، و”عندما سُحقت حيّة موسى: نشوء اليهودية في فلسطين في العصر الفارسي”، و”سنة الحية: روزنامات العصور الحجرية”.
وفي عام 2020 نال جائزة محمود درويش للإبداع والثقافة تقديرًا لمنجزه الشعري والفكري الذي أغنى المكتبة العربية وفتح آفاقًا جديدة أمام القصيدة الحديثة.
الشاعر زكريا محمد واختزال القصيدة:
يُعدّ زكريا محمد واحدًا من أكثر شعراء العربية حداثةً وخصوصيةً في العقود الأخيرة. وتمتاز قصيدته بالاقتصاد اللغوي، والبعد التأملي، واستلهام الأسطورة والطبيعة واليومي، حتى وصفه بعض النقاد بأنه “شاعر الصمت والتكثيف”. أما مشروعه الفكري، فقد شكّل إضافة نوعية إلى الدراسات العربية في الميثولوجيا والديانات العربية القديمة، جامعًا بين الحس الشعري والمنهج البحثي.
وقد أجمع كثير من النقاد على أن خصوصيته لا تكمن في موضوعاته فحسب، بل في طريقته في النظر إلى العالم؛ فهو لم يبحث عن البطولة، بل عن الإنسان، ولم يتكئ على البلاغة، بل على الصورة المكثفة، ولم يتعامل مع الأسطورة بوصفها حكاية من الماضي بل بوصفها لغةً لفهم الحاضر وكشف أعماق التجربة الإنسانية.
من أشهر قصائده التي أصبحت مثالًا بليغًا على التكثيف الشعري هي قصيدة “الحصان”. فهي تصور حصانًا يركض نحو الهاوية دون أن يدرك مصيره، بينما يراه الجميع ولا يستطيع أحد إنقاذه. وقد غدت القصيدة رمزًا للقدر الإنساني وللاندفاع الذي لا يلتفت إلى نهايته.
واللافت أن زكريا محمد كان يعود إلى قصيدته بالحذف والاختزال، حتى يبلغ أقصى درجات التكثيف، وهو ما يتجلى في هذه المراحل الثلاث:
النص الأول:
الحصان
يركض بلا فارس
الشمس
تلمع على عنقه وكفله
الحصان
يركض على أرض العشب والحجر
الطيور التي شاهدته أغمضت عيونها
الرجال الذين رأوه جمدهم البرق
كلهم أبصر الهاوية
إلا الحصان الذي كان يجري إليها
هوى الحصان في الهاوية
قبل أن يصرخ طائر
قبل أن يفك البرق قيوده
هوى الحصان
صار ظله غيمة سوداء
فوق الوديان.
الاختصار الأول:
الشمس تلمع على عنقه وكفله
الطيور التي شاهدته أغمضت عيونها
الرجال الذين رأوه جمدهم البرق
كلهم أبصر الهاوية
إلا الحصان الذي كان يجري إليها.
الاختصار الثاني:
كلهم أبصر الهاوية
إلا الحصان الذي كان يجري إليها.
إن هذا التطور يكشف جانبًا مهمًا من ورشة زكريا محمد الشعرية؛ فقد كان يؤمن بأن قوة القصيدة لا تكمن في كثرة الكلمات بل في قدرتها على الإيحاء، وأن ما يُحذف منها قد يكون أبلغ مما يُقال، وهو أكثر ما يميز القصيدة الحديثة.
(يمكن الاستماع إلى القصيدة بصوت الشاعر عبر الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=oCZ626Wx60Y)
وربما تكمن فرادة زكريا محمد في أنه لم يفصل يومًا بين الشعر والمعرفة؛ فقد رأى في الأسطورة والديانات القديمة مفاتيح لفهم الإنسان، لا مجرد بقايا من الماضي، ولذلك جاءت أبحاثه امتدادًا لقصيدته، كما جاءت قصيدته امتدادًا لأسئلته الفكرية. وهكذا التقى في مشروعه الشاعر والباحث، فصار كل منهما يضيء الآخر ويلهمه.
برحيل زكريا محمد خسرت الثقافة العربية شاعرًا كبيرًا ومفكرًا أصيلًا، ترك إرثًا يجمع بين الشعر والفكر والبحث، وأثبت أن القصيدة يمكن أن تكون في آنٍ واحد فعلًا جماليًا ومساحةً للتأمل والمعرفة. بيد أنه سيبقى أحد الأصوات التي منحت القصيدة العربية الحديثة أفقًا جديدًا، وجعلت من اللغة بابًا إلى الأسطورة، ومن الأسطورة طريقًا إلى الإنسان.
…………………
ببليوغرافيا مختارة لأعمال الشاعر والمفكر الفلسطيني زكريا محمد (1950–2023)
أولًا: الدواوين الشعرية
- قصائد أخيرة (1981)
- أشغال يدوية (1990)
- الجواد يجتاز أسكدار (1994)
- ضربة شمس (2002)
- حجر البهت (2008)
- كشتبان (2014)
- علندى (2016)
- زراوند (2021)
- تمرة الغراب (2022)
ثانيًا: الروايات
- العين المعتمة (1997)
- عصا الراعي (2003)
ثالثًا: الدراسات في الأسطورة والديانات القديمة
وهو المجال الذي يعدّ فيه زكريا محمد من أبرز الباحثين العرب، إذ سعى إلى قراءة المعتقدات العربية القديمة بعيدًا عن الأحكام المسبقة، مستفيدًا من المناهج التاريخية والأنثروبولوجية.
ومن أهم مؤلفاته:
- نخلة طي: كشف سر الفلسطينيين القدماء (2003)
- عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية (2009)
- ذات النحيين: الأمثال الجاهلية بين الطقس والأسطورة (2011)
- ديانة مكة في الجاهلية: كتاب الحمس والطلس والحِلّة (2012)
- مُضرّط الحجارة: كتاب اللقب والأسطورة (2014)
- نقوش عربية قبل الإسلام (2015)
- اللغز والمفتاح: رُقُم دير علا ونقوش سيناء المبكرة (2015)
- عندما سُحقت حيّة موسى: نشوء اليهودية في فلسطين في العصر الفارسي (2018)
- سنة الحية: روزنامات العصور الحجرية (2022)
رابعًا: أدب الأطفال
- أول زهرة في الأرض (2008)
- مغني المطر (2010)
خامسًا: الجوائز
- جائزة محمود درويش للإبداع والثقافة (2020).
سادسًا: روابط
*مؤسسة الدراسات الفلسطينية – صفحة زكريا محمد وتضم عدداً كبيراً من مقالاته، منها:
https://www.palestine-studies.org/ar/taxonomy/term/3093?utm_source=chatgpt.com
*موقع Lyrikline يضم قصائد بصوت زكريا محمد نفسه مع ترجمات إلى لغات متعددة، وهو مرجع مهم لدراسة تجربته الشعري: