أدب ونقد

من عالم الحريم إلى الفضاء العام* هُدَى شَعْرَاوي وصِنَاعَة النُّوع

طارق النعمان طارق النعمان 23.06.2026

تمثل هدى شعراوي سردية نسوية ووطنية كبرى بأكثر من معنى وبأكثر من دلالة وعلى أكثر من مستوى وصعيد، سواء بالمعنى السياسي والاجتماعي والنوعي أو على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي. بعبارة أخرى، إننا إزاء أيقونة مصرية وعربية نادرة، امرأة استثنائية بكل معنى الكلمة، امرأة استطاعت أن تساهم مُسَاهَمَة فعَّالة في خلخلة وزلزلة تاريخ النوع الاجتماعي للمرأة والسياسات السائدة والحاكمة لهذا النوع على الصعيد الوطني والإقليمي، وأن تصنع قطيعة ثقافية بين زمنين، زمن (الحريم) الذي كانت تُخْتَزَل فيه هُويَّة المرأة المصرية والعربية في مجرد دورها الجنسي والإنجابي والمنزلي، والذي ظلت تُجَسِّدُه على أكمل وجه مُفْرَدَة  (الحريم) لا بوصفها مُفْرَدَة  تُشِير إلى مجرد نوع بالمعنى الاجتماعي أو حتى بالمعنى الجنسي ولكن بوصفها أيضًا تمثل فضاءً معماريًا ونفسيًا واجتماعيًا ظلت المرأة أسيرة جدرانه وعوالمه المغلقة على مدار قرون طويلة ممتدة، وزمن آخر، يمكننا أن نطلق عليه (زمن الخروج) الذي دشنه خروجها على رأس أكثر من ثلاثمائة من سيدات وآنسات الطبقة الأرستقراطية المصرية في أول مظاهرة نسائية مُنظَّمة في التاريخ المصري الحديث يوم الأحد الموافق السادس عشر من مارس عام 1919 بعد نفي سعد زغلول ورفاقه ببضعة أيام فحسب لتواجه مع رفيقاتها بنادق وحِراب وخيول الاحتلال البريطاني على أرض مصر السليبة، في حدث مشهود وغير مسبوق سجَّله شاعر النيل حافظ ابراهيم في قصيدته الشهيرة التي كانت بمثابة بيان وإعلان وتوثيق شعري قاطع لانتهاء وانقضاء زمن، هو زمن (الحريم) وابتداء وحلول زمن آخر مغاير هو زمن (الخروج):

خَرَجَ الغَواني يَحتَجِجنَ وَرُحتُ أَرقُبُ جَمعَهُنَّه

فَإِذا بِهِنَّ تَخِذنَ مِن سودِ الثِيابِ شِعارَهُنَّه

فَطَلَعنَ مِثلَ كَواكِبٍ يَسطَعنَ في وَسَطِ الدُجُنَّه

وَأَخَذنَ يَجتَزنَ الطَريقَ وَدارُ سَعدٍ قَصدُهُنَّه

يَمشينَ في كَنَفِ الوَقارِ وَقَد أَبَنَّ شُعورَهُنَّه

وَإِذا بِجَيشٍ مُقبِلٍ وَالخَيلُ مُطلَقَةُ الأَعِنَّه

وَإِذا الجُنودُ سُيوفُها قَد صُوِّبَت لِنُحورِهِنَّه

وَإِذا المَدافِعُ وَالبَنادِقُ وَالصَوارِمُ وَالأَسِنَّه

وَالخَيلُ وَالفُرسانُ قَد ضَرَبَت نِطاقاً حَولَهُنَّه

والوَردُ وَالرَيحانُ في ذاكَ النَهارِ سِلاحُهُنَّه

فَتَطاحَنَ الجَيشانِ ساعاتٍ تَشيبُ لَها الأَجِنَّه

فَتَضَعضَعَ النِسوانُ وَالنِسوانُ لَيسَ لَهُنَّ مُنَّه

ثُمَّ اِنهَزَمنَ مُشَتَّتاتِ الشَملِ نَحوَ قُصورِهِنَّه

فَليَهنَأَ الجَيشُ الفَخورُ بِنَصرِهِ وَبِكَسرِهِنَّه

فَكَأَنَّما الأَلمانُ قَد لَبِسوا البَراقِعَ بَينَهُنَّه

وَأَتَوا بِهِندِنبُرجَ مُختَفِياً بِمِصرَ يَقودُهُنَّه

فَلِذاكَ خافوا بَأسَهُنَّ وَأَشفَقوا مِن

(ديوان حافظ ابراهيم، ص ص 87-88)

والحقيقة أن القارئ لمذكرات هدى شعراوي ومسيرة نضالها من أجل وطنها ونوعها يدرك أنه أمام امرأة من طراز فريد ونادر، امرأة من طينة أخرى مغايرة، امرأة تتحلى بالشجاعة والخيال والمُبَادرة والقدرة على الحلم، (انظر حديثها عن انتمائها هي ذاتها إلى الخيال والحلم، في محاضرتها ’’السلام العالمي ونصيب المرأة في تحقيقه‘‘)، امرأة تمتلك شخصية مستقلة وكاريزما خاصة، استطاعت من خلالها أن تتحول إلى رافعة تاريخية لنوعها وأن تكون من أهم صُنَّاع نوعها الاجتماعي، وأن تشارك فضلاً  عن كل هذا في الجهاد والنضال ضد المحتل، وأن تتحوَّل بنوعها من زمن إلى زمن آخر مغاير للزمن الذي نشأت وتربَّت هي وملايين من النساء سواها في العالم العربي والإسلامي في ظلاله الكثيفة. فهي امرأة ذات شخصية مغناطيسية قادرة على جذب الجميع من حولها نساءً ورجالاً، شبابًا وشيوخًا، أثرياء وفقراء. وهو ما تتكشَّف بوادره ابتدء من طفولتها الباكرة وكيفية تفاعلها مع محيطها الأسري والاجتماعي والثقافي.

 ولا أحسبني أغالي إذا ما قلت؛ إننا مع هدى شعراوي نبدو وكأننا إزاء شهرزاد جديدة، ذلك أنني في كل مرة كنت أقرؤ فيها مذكرات هدى شعراوي كانت تلوح لي وتراودني دومًا صورة شهرزاد في الليالي وهي تحاول، من خلال حكيها أن تروِّض شهريار، وحينها كنتُ أسأل نفسي ما العلاقة التي تجعل مثل هذا التداعي يراودني ويعاودني، وبعد تأمل وتفكير لم أجد جوابًا سوى أنه بينما كانت شهرزاد في ظاهر الحكاية تحاول ترويض شهريار، فإنها كانت تحاول أيضًا ترويض مجتمع بأكمله وثقافة بأكملها وهو الشي ذاته والغاية ذاتها التي يمكن للقارئ أن يلمسها هنا في مُذَكِّرَات هدى شعراوي.

طارق النعمان
عن الكاتب
طارق النعمان
ناقد ومترجم وأكاديمي

ناقد ومترجم وأكاديمي

صفحة الكاتب ←