
تِمْ بيرنرز-لي
منذ بداياتي الأولى وأنا أحبُّ المعطائين، هؤلاء الذين لا تقوى سلطة المال ورنين المسكوكات على ليّ أعناقهم وجعلهم يتمرّغون في مباءة الجشع والفساد والصغائر. الحياة عند هؤلاء أفق مفتوح بإمكانات لا نهائية موعودة لا تكتفي بالتموضع في مفردات الفخامة والزهو والرفاهية المتداولة. أحدُ هؤلاء النبلاء الكبار هو السير تِمْ بيرنرز-لي.
عندما وضع بيرنرز لي النواة الأولى للشبكة العالمية (الإنترنت) في أروقة المنظّمة الأوربية للبحوث النووية “سيرن” لم يكن يفكّرُ -مثلما يفعل الأباطرة التقنيون اليوم- في حصص سوقية أو مليارات مفترضة. كان يحلم بفرصة متساوية للجميع كي يتواصلوا ويكتبوا ويفكروا معاً؛ ولأنّ الفكرة العظيمة لا تكتمل إلا بالحريّة، أقنع العالم بتسليم شبكة الإنترنت كمنحة مجانية مطلقة للإنسانية، متنازلاً عن ثروةٍ كان يمكن أن تجعله الرجل الأغنى على وجه الأرض.
لكنّ العالم المادي لا يترك المشاعية النبيلة لشأنها طويلاً من غير تفكير حثيث بجرّها إلى منطق السوق المتغوّلة. مع السنوات تحوّلت الشبكة من “مشاع إنساني للتعاون” إلى “سوق هائل للإستغلال”. غدوْنا -نحن المستخدمين للشبكة- السلعة التي تُباع وتُشترى، وأصبحت بياناتنا وقوداً لخوارزميات توجّه سلوكنا وتقتات على انقساماتنا وتوجّه سلوكياتنا وتحكم قناعاتنا. اليوم، ونحن على أعتاب عصر الذكاء الإصطناعي العام والفائق، نجد أنفسنا عند مفترق طرق حاسم: إما أن نستعيد السيطرة، أو أن نترك المستقبل كله تحت رحمة أباطرة الإحتكار ولوردات عصر الإقطاعيّة التقنية.
في النص التالي، يعود بنا السير تم بيرنرز- لي إلى البدايات: يروي كيف وُلِدَ الإنترنت من رسمة بسيطة، وكيف انحرف المسار، ولماذا لا يزال يؤمن أنّ الاستعادة ممكنة لو اخترنا “المشاركة” بدلاً من “الاستغلال”. هو خيار صعب؛ لكنّه يبقى ممكناً برغم توقّعاتنا الحالكة.
أفضلُ تقديمٍ نفعله إزاء إنسان عظيم هو أن نصغي بإستفاضة لما يكتب أو يحكي. قراءة هؤلاء أو الإصغاءُ لهم فضيلةٌ كبرى في عالمنا الملتاث برثاثة ما عادت تطاق.
المترجم
كُنتُ في الرابعة والثلاثين من عمري عندما راودتْني فكرةُ الشبكة العالمية (الإنترنت) للمرّة الأولى. انتهزتُ كلّ فرصة ممكنة للحديث عنها: طرحتُها في الإجتماعات، ورسمتُها على سبورة بيضاء لكلّ من يهمُّه الأمرُ؛ حتى أنني رسمتُ الشبكة في الثلج مستخدماً عصا تزلج لصديقي في يوم كان من المفترض أن يكون هادئاً.
تقدّمتُ بلا هوادة بطلباتٍ إلى رؤسائي في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن)، حيث كنت أعمل حينذاك، والذين وجدوا الفكرة في البداية “غريبة بعض الشيء”؛ لكنهم في النهاية استسلموا وسمحوا لي بالعمل عليها. لفتَتْ انتباهي فكرةُ الجمع بين تقنيتين حاسوبيّتيْن موجودتين مُسبقاً: الإنترنت والنص التشعبي hypertext، الذي يتعامل مع وثيقة عادية ويضفي عليها حيوية كبرى بإضافة “روابط“Links .
كنتُ أعتقد أنّ توفير هذه الطريقة البسيطة لتصفّح الإنترنت من شأنه أن يفتح آفاقاً للإبداع والتعاون على نطاق عالمي. إذا استطعتَ وضع أي شيء عليه، فبعد حين سيكون مُتداوَلاً على أوسع النطاقات؛ ولكن لكي يتوفر على الإنترنت كلّ شيء يجب أن يكون الجميع قادراً على استخدامه، وأن يرغبوا في ذلك. كان هذا مطلباً كبيراً حقّاً. لم أستطع أيضاً أن أطلب منهم الدفع مقابل كل بحث أو تحميل يقومون به؛ لذا، ولكي ينجح الأمر، يجب أن يكون مجانيّاً. لهذا السبب، في عام ١٩٩٣، أقنعْتُ مديري في سيرن بالتبرّع بالملكية الفكرية للشبكة العالمية، وجَعْلِها متاحة للعامة. لقد منَحْنا الشبكة للجميع.
اليوم، أنظرُ إلى اختراعي وأجد نفسي مدفوعاً للتساؤل: هل لا تزال الشبكة مجانية اليوم؟ لا، ليس كلها. نرى عدداً قليلاً من المنصّات الكبيرة تجمع بيانات المستخدمين الخاصة لمشاركتها مع وسطاء تجاريين أو حتى حكومات قمعية. نرى خوارزمياتٍ منتشرة في كل مكان، مُدمِّرة بطبيعتها ومُضِرّة بالصحّة النفسية لأطفالنا المراهقين. من المؤكد أنّ تداول البيانات الشخصية للإستخدام لا يتوافق مع رؤيتي لشبكة مجانية.
على العديد من المنصّات، لم نَعُدْ نحن العُمَلاء Customers؛ بل أصبحنا المُنْتَجProduct . تُباعُ بياناتُنا، حتى لو كانت مجهولة المصدر، إلى جهات لم نكن ننوي الوصول إليها، والتي يمكنها بعد ذلك استهدافُنا بالمحتوى والإعلانات. يشمل ذلك: المحتوى الضار المُتَعَمّد الذي يؤدي إلى عنف حقيقي، وينشر معلومات مضللة، ويضرَُ بصحّتنا النفسية، ويسعى إلى تقويض التماسك الإجتماعي.
لدينا القدرة التقنية على إعادة هذه القوة إلى الفرد. مشروع Solid هو معيار مفتوح المصدر قابل للتشغيل البيني، طوّرْتُهُ أنا وفريقي في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) قبل أكثر من عقد. لا تملك التطبيقات التي تعمل على مشروع Solid بياناتِك ضمنيّاً؛ بل يتعيّنُ عليها طلبُها منك، وأنت تختار الموافقة عليها من عدمها. بدلاً من أن تكون بياناتك في أماكن منفصلة لا حصر لها على الإنترنت، في أيدي من أعيد بيعُها إليه، فإنها في مشروع Solid ستكون في مكان واحد، وتحت سيطرتك الكاملة.
مُشاركة معلوماتك بطريقة ذكية قد تُحرّرُها أيضاً من الوقوع في قبضة الإحتكاريين التقنيين. لماذا تُخزّنُ ساعتُك الذكية بياناتك البيولوجية في مكان واحد بصيغة واحدة؟ لماذا تُخزّنُ بطاقتك الإئتمانية بياناتك المالية في مكان واحد أيضاً بصيغة واحدة مختلفة؟ لماذا تُخزّنُ تعليقاتِك على يوتيوب، ومنشوراتك على ريديت، وتحديثاتِك على فيسبوك، وتغريداتِك في أماكن مختلفة؟ لماذا يُفترضُ بك افتراضيّاً ألّا تتمكن من الإطلاع على أيٍّ من هذه المعلومات رغم أنّك أنت من صنعتها؟ أنت تُولّدُ كل هذه البيانات : أفعالك، وخياراتك، وجسمك، وتفضيلاتك، وقراراتك. يجب أن تمتلكها، وأن تتمكّن من بلوغها متى ما شئت.
في مرحلة ما بين رؤيتي الأصلية للويب (في مرحلته الأولى 1.0 ) وصعود وسائل التواصل الإجتماعي كجزء من الويب 2.0، سلكنا الطريق الخطأ. نحن الآن عند مفترق طرق جديد، مفترق طرق يجب أن نقرّر فيه ما إذا كان الذكاء الإصطناعي سيُستخدَمُ لتحسين المجتمع أم سيتغوّلُ على حسابه. كيف يُمكننا التعلمُّ من أخطاء الماضي؟ أولاً، يجب أن نضمن ألّا ينتهي الأمر بصانعي السياسات إلى نفس لعبة اللحاق بالركب التي خاضوها على وسائل التواصل الإجتماعي على مدار عقد من الزمن. لقد ولّى زمنُ تحديد نموذج حوكمة الذكاء الإصطناعي؛ لذا علينا التحرك بسرعة.
في عام ٢٠١٧، كتبتُ تجربةً فكريةً حول ذكاء اصطناعي يعمل لصالحك، أسميتُهُ “تشارلي Charlie“. يعمل تشارلي لصالحك كطبيبك أو محاميك، مُلزَماً بالقانون واللوائح وقواعد السلوك. لماذا لا يُمكنُ اعتمادُ نفس الأطر للذكاء الإصطناعي؟ لقد تعلّمْنا من وسائل التواصل الإجتماعي أنّ السلطة Authority بيد الإحتكارات التي تتحكّمُ بالبيانات الشخصية وتجمَعُها. لا يُمكننا السماح بحدوث الأمر ذاته مع الذكاء الإصطناعي.
إذن، كيف نمضي قدماً؟ جزءٌ من الإحباط السائد بشأن الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين هو بطء الحكومات في تلبية متطلّبات المواطنين الرقميين. يشهد قطاع الذكاء الإصطناعي منافسةً شرسة، وتُملي الشركات قواعد التطوير والحوكمة. الدرس المُستفاد من وسائل التواصل الإجتماعي هو أن هذا لن يُضيف قيمةً للفرد.
برمجْتُ شبكة الإنترنت العالمية على جهاز حاسوب واحد في غرفة صغيرة؛ لكنّ تلك الغرفة الصغيرة لم تكن من ممتلكاتي بل كانت في سيرن. أُنشِئت منظمة سيرن (CERN) في أعقاب الحرب العالمية الثانية من قِبل الأمم المتحدة والحكومات الأوروبية التي حدّدت نقطة تحول علمية تاريخية تطلّبَتْ تعاوناً دوليّاً. من الصعب تخيّلُ شركة تقنية كبرى توافق على مشاركة شبكة الإنترنت العالمية دون أي مقابل تجاري كما سمحت لي سيرن. لهذا السبب نحتاج إلى هيئة غير ربحية على غرار سيرن، تُسهِمُ في دفع أبحاث الذكاء الإصطناعي الدولية قُدُماً.
تبرعتُ بشبكة الإنترنت العالمية مجاناً لأنني اعتقدتُ أنها لن تنجح إلّا إذا كانت مُفيدة للجميع. واليوم، أعتقد أن هذا صحيح أكثر من أي وقت مضى. التنظيم والحوكمة العالمية ممكنان تقنيّاً؛ لكنهما يعتمدان على الإرادة السياسية. إذا استطعنا حشدهما (أي التنظيم والحوكمة العالمية) فلدينا فرصةٌ لإستعادة الإنترنت كأداة للتعاون والإبداع والتعاطف عبر الحدود الثقافية. يمكننا إعادةُ تمكين الأفراد، واستعادةُ الإنترنت. لم يَفُتِ الأوانُ بعدُ.
كانت رؤيتي تعتمد على المشاركة Sharing وليس الإستغلال Exploitation، وهذا هو السبب في أنّ الأمر لا يزال يستحق الكفاح من أجله.
* السير تيم بيرنرز-لي Sir Tim Berners-Lee : مهندس وعالم حاسوب بريطاني، يعرَفُ عالميّاً بسبب اختراعه لشبكة الويب العالمية (الإنترنت). درس الفيزياء والحوسبة في جامعة أوكسفورد، وهو الآن أستاذ في علوم الحاسوب في جامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة. قدّم اقتراحاً لنظام إدارة معلومات في شهر مارس (آذار) من عام 1989م، ونجح في أواخر شهر نوفمبر (تشرين ثاني) من نفس العام في تنفيذ أول اتصال ناجح على شبكة نت أولية خاصة بمؤسسة الأبحاث النووية في سيرن بمدينة جنيف بسويسرا. (المترجم)
– الموضوع المترجم أعلاه منشور في صحيفة (غارديان) البريطانية بتأريخ 28 سبتمبر (أيلول) 2025. الرابط الألكتروني للموضوع هو:
https://www.theguardian.com/technology/2025/sep/28/why-i-gave-the-world-wide-web-away-for-free
You must be logged in to post a comment.